محمود درويش يودعنا ليلحق ما لا يزول من أثر الفراشة
الشاعر الفلسطيني الكبير غالب الموت مرات، وتغلب عليه مرتين، ولكنه خسر معركته الأخيرة.
ميدل ايست اونلاين
لندن – أعلن الأطباء الذين كانوا يعالجون الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش انه توفي بعد ثلاثة أيام من خضوعه لعملية جراحية في القلب في مستشفى في مدينة هيوستن بولاية تكساس الأميركية.
يغيب درويش مثل الفراشة التي كان "أثرها" آخر الأعمال التي تركها لأمته ولشعبه ولأصدقائه وللملايين من قرائه ومحبيه.
راوغ الشعر، مرتقيا أعلى غيماته، وراوغ الكلمات مثل ساحر تفلت من أصابعه الحروف لتصير أجسادا، والأجساد وطنا، والوطن مأوى. وراوغ كل منقلب في الحياة التي أمضى معظمها منفيا، وظل الشاعر فيه يكبر في كل منعطف وتزداد كلماته بريقا. ولكنه غاب كما تغيب الفراشات. تاركا بين أصابعنا ألوانا زاهية من اجنحته.
وكما لو انه كان يعرف، قال:
"أَثر الفراشة لا يُرَى
أَثر الفراشة لا يزولُ
هو جاذبيّةُ غامضٍ
يستدرج المعنى، ويرحلُ
حين يتَّضحُ السبيلُ
هو خفَّةُ الأبديِّ في اليوميّ
أشواقٌ إلى أَعلى
وإشراقٌ جميلُ
هو شامَةٌ في الضوء تومئ
حين يرشدنا الى الكلماتِ
باطننا الدليلُ
هو مثل أُغنية تحاولُ
أن تقول، وتكتفي
بالاقتباس من الظلالِ
ولا تقولُ...
أَثرُ الفراشة لا يُرَى
أُثرُ الفراشة لا يزولُ".
هكذا كان محمود درويش. وهكذا غاب. تاركا بين أصابعنا أثرا، نراه ولا نراه؛ يزول ولا يزول.
ولساعات بدت طويلة تضاربت فيها الأنباء عن وفاته وبقائه حيا، فقد بدا ان درويش يمر بوضع أراد لنا ان نتنفسه بالتدريج قبل أن يرحل.
لم يشأ أن يفاجئنا.
لم يرغب في أن يترك حزننا فيه يأتي مثلما الصدمة. ترك قلبه مفتوحا ليضمنا اليه، ربما. لنعيش على الأمل الذي تركه لنا من اجل يوم آخر للحرية سيأتي.
أثار قلقا في أوساط الكتاب والمثقفين والأدباء وعامة العرب الذين صلوا من اجل شفائه، وقالوا انه سيعود من موته منتصرا، كما فعل مرتين. ولكن ثالثة الموت كانت الأخيرة. والموت حق في آخر المطاف.
وكانت مصادر فلسطينية قالت قبل ساعات من وفاته انه يمر في وضع "مقلق" ويخضع للتنفس الاصطناعي منذ يومين بعد حدوث مضاعفات لعملية القلب المفتوح التي خضع لها الاربعاء في مدينة هيوستن بولاية تكساس الاميركية.
وقال مقربون من الشاعر "ان أطباءه بذلوا كل ما بوسعهم من جهود لكن إرادة الله كانت هي الغالبة".
وكانت أنباء وفاة الشاعر قد تضاربت إلا أنها عادت لتستقيم على تلك الحقيقة الوحيدة الباردة الأخيرة، وهي ان درويش رحل.
رحل كما الفراشة، مودعا قضيته، وقد أودعها مثل أعز وأغلى الأمانات في قلوب الملايين من قرائه ومحبيه.
وكان الشاعر سبق له وان اجرى عمليتين في القلب سنة 1984 و1998.
وكانت العملية الاخيرة وراء ولادة قصيدته المطولة "جدارية" التي يقول فيها "هزمتك يا موت، الفنون الجميلة جميعها هزمتك". ومما جاء فيها أيضا:
"سوف أكون ما سأصيرُ في الفلك الأخيرِ. وكلُّ شيء أبيضُ، البحرُ المعلَّق فوق سقف غمامة بيضاءَ. واللا شيء أبيضُ في سماء المُطلق البيضاء. كُنتُ، ولم أكُن. فأنا وحيد في نواحي هذه الأبديّة البيضاء. جئتُ قُبيَل ميعادي: فلم يظهر ملاك واحد ليقول لي"ماذا فعلتَ، هناك، في الدنيا؟".
وفعل درويش كل ما من شأنه أن يجعله نجما متألقا في سماء الشعر العربي. وقدم لقضيته الفلسطينية ما لم يقدمه شاعر عربي آخر. وظلت كلماته تهز الإسرائيليين وتخيفهم في العمق وتجرح، بسكين الحقيقة، غبار أساطيرهم وتبدد ملح فضتهم.
وكانت قصيدته الشهيرة "أيها المارون بين الكلمات العابرة" قد أثارت هزة عنيفة في مختلف أركان المجتمع الصهيوني في إسرائيل.
ويقول درويش في هذه القصيدة:
"أيها المارون بين الكلمات العابرة
احملوا أسماءكم وانصرفوا
واسحبوا ساعاتكم من وقتنا، وانصرفوا
وخذوا ما شئتم من زرقة البحر و رمل الذاكرة
وخذوا ما شئتم من صور، كي تعرفوا
انكم لن تعرفوا
كيف يبني حجر من أرضنا سقف السماء.
أيها المارون بين الكلمات العابرة
منكم السيف - ومنا دمنا
منكم الفولاذ والنار- ومنا لحمنا
منكم دبابة أخرى- ومنا حجر
منكم قنبلة الغاز - ومنا المطر
وعلينا ما عليكم من سماء وهواء
فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا
وادخلوا حفل عشاء راقص .. وانصرفوا
وعلينا، نحن ، أن نحرس ورد الشهداء
وعلينا ، نحن، أن نحيا كما نحن نشاء
أيها المارون بين الكلمات العابرة
كالغبار المر مروا أينما شئتم ولكن
لا تمروا بيننا كالحشرات الطائرة
فلنا في أرضنا ما نعمل
ولنا قمح نربيه ونسقيه ندى أجسادنا
ولنا ما ليس يرضيكم هنا
حجر.. أو خجل
فخذوا الماضي، إذا شئتم إلى سوق التحف
وأعيدوا الهيكل العظمي للهدهد، إن شئتم
على صحن خزف.
لنا ما ليس يرضيكم، لنا المستقبل ولنا في أرضنا ما نعمل".
ويجمع نقاد ومثقفون من كل أرجاء الوطن العربي على ان قصائد درويش منحت المقاومة ضد الوجود الصهيوني في فلسطين سلاحا لا يبلى من العزيمة على الثبات بعدالة القضية الفلسطينية، والدفاع عن قدسيتها، وذلك الى الحد الذي جعل نياط قلوب مئات الملايين تنشد الى قضيته.
وتضمن كتابه الأخير "أثر الفراشة" ما ما يمكنه اليوم أن يوحي بمنعطف من الشفافية على شعره ظل لم يطارد الوحوش ويطردهم.
قال في أحدى قصائد الكتاب مستعيدا حادثة القصف الإسرائيلي على شاطئ غزة، حيث قتل كل أفراد أسرة فتاة فلسطينية لتبقى وحيدة بين الرمل والدماء:
"على شاطيء البحر بنتٌ. وللبنت أَهلٌ
وللأهل بيتٌ. وللبيت نافذتان وبابْ...
وفي البحر بارِجَـةٌ تتسَلَّي
بصَـيْــدِ الـمُشَاة علي شاطيء البحر:
أَربعَةٌ، خَمْسَةٌ، سَبْــعَةٌ
يسقطون علي الرمل، والبنتُ تنجو قليلاً
لأنَّ يداً من ضبابْ
يداً ما إلهيَّـةً أَسْعَفَتْها، فنادتْ: أَبي
يا أَبي! قُمْ لنرجع، فالبحر ليس لأمثالنا!
لم يُجِبْــها أبوها الـمُسَجَّي علي ظلِّهِ
في مهبِّ الغيابْ
دَمٌ في النخيل، دَمٌ في السحابْ
يطير بها الصوتُ أَعلى وأَبعدَ مِنْ
شاطيء البحر. تصرخ في ليل بَرّية،
لا صدى للصدى.
فتصير هي الصرخةَ الأبديَّـةَ في خَبَرٍ
عاجلٍ، لم يعد خبراً عاجلاً
عندما
عادت الطائرات لتقصف بيتاً بنافذتين وبابْ!
وعندما كان درويش منفيا كتب قصيدته الشهيرة التي غناها كل العرب مع زياد الرحباني: "أحن الى خبز أمي وقهوة أمي. وتكبر في الطفولة يوما على صدر يومي. وأعشق عمري لأني إذا مت أخجل من دمع أمي".
وعندما عاد درويش الى فلسطين مع العائدين في إطار اتفاق السلام، عاد درويش الى بيته القديم لجده ظلا وأطلالا.
ولد درويش في فلسطين في قرية البروة في الجليل الغربي عام 1942 ودمرت قريته عام 1948 واقيم مكانها قرية زراعية يهودية باسم "احي هود" ونشأ وترعرع في قرية الجديدة المجاورة لقريته.
وكانت كل قصيدة من قصائد درويش تردد صدى الضمير الفلسطيني من أدنى التفاصيل الى أدناها. وكتب يقول في "قصيدة الأرض":
"في شهر آذار، في سنة الإنتفاضة، قالت لنا الأرضُ أسرارها الدموية. في شهر آذار مرّت أمام البنفسج والبندقيّة خمس بنات. وقفن على باب مدرسة إبتدائية، واشتعلن مع الورد والزعتر البلديّ. افتتحن نشيد التراب. دخلن العناق النهائي – آذار يأتي إلى الأرض من باطن الأرض يأتي، ومن رقصة الفتيات – البنفسج مال قليلاً ليعبر صوت البنات. العصافيرُ مدّت مناقيرها في اتّجاه النشيد وقلبي.
"أنا الأرض
والأرض أنت
خديجةُ! لا تغلقي الباب
لا تدخلي في الغياب
سنطردهم من إناء الزهور وحبل الغسيل
سنطردهم عن حجارة هذا الطريق الطويل
سنطردهم من هواء الجليل".
ويضيف درويش قائلا:
"أُسمّي الترابَ امتداداً لروحي
أُسمّي يديّ رصيفَ الجروح
أُسمّي الحصى أجنحة
أسمّي العصافير لوزاً وتين
وأستلّ من تينة الصدر غصناً
وأقذفهُ كالحجرْ
وأنسفُ دبّابةَ الفاتحين".
وجرب درويش كل فنون الشعر وطرائقه، من اجل أن يمسك بغيمة المعنى، وليرفع سماوات الشعر العربي الحديث الى ما لم ترتفع اليه، ليس في قصائده النضالية وحدها بل وفي قصائد الحب التي كان واحدا من اكبر فرسانها في الشعر العربي الحديث. ومن احدها بعنوان "الجميلات هن الجميلات"، يقول درويش:
الجميلات هنَّ الجميلاتُ
"نقش الكمنجات في الخاصرة"(....)
الجميلات هنَّ الكبيراتُ
"مانجو مقشرةٌ ونبيذٌ معتق"
الجميلات هنَّ الصغيراتُ
"وَعْدُ غدٍ وبراعم زنبق"
الجميلات، كلّْ الجميلات، أنت ِ
إذا ما اجتمعن ليخترن لي أنبلَ القاتلات".
ويقول في قصيدة أخرى:
"كمقهى صغير على شارع الغرباء
هو الحبّ... يفتح أَبوابه للجميع.
كمقهى يزيد وينقص وَفْق المناخ:
إذا هَطَلَ المطر ازداد روَّاده،
وإذا اعتدل الجوّ قَلّوا ومَلّوا...
أَنا هاهنا يا غريبة في الركن أجلس
ما لون عينيكِ؟ ما اَسمك؟ كيف
أناديك حين تمرِّين بي ، وأَنا جالس
في انتظاركِ؟"
وكان درويش هو الذي كتب نص إعلان الإستقلال الفلسطيني الذي تم إعلانه في الجزائر عام 1988.
وشغل درويش منصب رئيس رابطة الكتاب والصحفيين الفلسطينيين وحرر مجلة "الكرمل"، وتقلبت به المنافي ليقيم في باريس وبيروت وتونس، قبل ان يعود الى رام الله.
وكان درويش في مطلع شبابه عضوا في الحزب الشيوعي الاسرائيلي الذي وجد فيه الكثير من فلسطينيي عام 1948 غطاء سياسيا لنضالاتهم الأولى ضد العنصرية الصهيونية. وعمل في مجلة الجديد وصحيفة الاتحاد ولوحق من اجهزة الامن الاسرائيلية ومن ثم فرضت عليه الاقامة الجبرية ما بين عام 1961 حتى غادر عام 1972.
ونال محمود درويش عدة جوائز عالمية تكريما لشعره. منها، جائزة لوتس عام 1969، وجائزة البحر المتوسط عام 1980، ودرع الثورة الفلسطينية عام 1981، ولوحة أوروبا للشعر عام 1981. وظل درويش واحدا من أبرز المرشحين العرب لنيل جائزة نوبل للأدب، إلا ان حظوظه بنيلها ظلت موضع شكوك جديرة بالإعتبار تتعلق بالموقف الإنساني النضالي الذي ظل يغلب على شعره.
ولكنه غاب، مثلما تغيب الفراشة. تاركنا في قلبنا جرحا. والقلب مفتوح، مثلما ظل قلبه مفتوحا على أمل بالحرية؛ على أمل بالحياة.
فوادعا لشاعر عملاق ترك الكثير، وترك لقرائه الأمل العالي، والظل العالي، بأن يوفوا مسيرته حقها، وأن يكملوا السير على درب المقاومة.
أمسك نجوما لم يمسك بها أحد من قبل. ورفع سماوات في الشعر والنثر لم يرفعها كمثله أحد.
وقيل جزافا انه غاب.
فهل غاب حقا؟
وهل يغيب أثرٌ كمثل ما ترك؟
وقد لا نراه بعد اليوم شامخا على منصة شعر ترتجف له القلوب، وترتجف منه ركب الأعداء.
ولعله لا يُرى. ولكنه لا يزول.