أطلت "شذى" من نافذة عبر الزمن طالما أغلقتها في وجه الذكريات،وخاصة ذكرى بعثت الغرابة وأثارتها في نفسها
كانت أقرب ما تكون إلى الخيال لا تعرف لها إلى اليوم مدى أومسمى
كانت تلك النافذة هي كراستها ذات السلك المعدني الذي أحاط الزمن بها سياجاَ بالساعة والتاريخ والعام ... لتفتح كراستها الخاصة بداية من آخر الصفحات حيث كتبت " في اليوم الأخير الثالث والعشرون رمقني بنظره خالدة طالما احتفظت بها في ذاكراتي وكأن عيناه الواسعتين ونظرته الحادة تنظر لي بذلك الصدود وهو يرمي الملف بحسره ذاك الذي يوضع على سرير المرضى، بحسره وغضب دون أن ينظر لي أو حتى يحييني أو يسأل عن صحتي لكي يتم واجبه !!.. لحقته عيناي وهو يهرول فلم أرى منه إلا كنزته البيضاء الانيقه
-الممرضات والطبيبات اللاتي حولي كن يباركن خروجي من المستشفى بفرح ، بي نما أنا لم آبه بهن فحين هرول ذلك الطبيب أحسست بوخز في داخلي .... إحساس عجيب لا أعلم كيف جاء هذا الشعور ؟؟؟
هل لأني كنت معتده بنفسي ومحط اهتمام ثم يأتي هذا الطبيب فجأة في آخر يوم والجميع يحتفي بي وهو لا يبالي ؟؟؟ كونه الطبيب الأول المسؤول عن حالتي وهو لا يبالي
لا أفهم ما هذا الشعور وما مصدره فانا في حيره ....! ولكن ما اعرفه وما أحس به شعور جميل لا يزيد بالاهتمام ولا ينقص بالجفاء بل هو رأس المشاعر الانسانيه .. هو الاحترام
و برشاقة أخذت " شذى " تقلب الصفحات الاماميه وتقف عند ورقة البداية وهي تقرأ بسعادة : "عندما رايته أول مره عرفتني به الممرضة التي تعمل تحت رئاسته قائله
" شذى" هذا الدكتور .. " إبراهيم " أنه معروف و ممتاز
في تلك اللحظة أحسست بالخوف من أكون مريضه لدرجة مجيء هذا الطبيب ، شعرت بالقلق أكثر عندما أكملت كلامها وهي توكزني على كتفي وتطلب مني أن أدير نظري إليه
هو سيفحصك أنت محظوظة جداَ ..... بدا الطبيب مسترسل بالكلام ... فجاه و بسرعة خاطفه نظرت إليه وبسرعة أكبر أعدت نظري إلى الاتجاه الآخر نحو الممرضه .... بدا ظريفاَ متواضعاَ مرحاَ وإنا أفكر في قرارة نفسي .. لماذا ارتد نظري بتلك السرعة عندما نظرت إليه ؟
إجابتي كانت حاضره لنفسي وهي أن الطبيب يشبهني كثيراَ ليس بالشكل ولا الملامح
بل روحه مثل روحي ... نظرة عيناه تمتزج بنظرة عيني فتقف عندها بذهول ... حديثه جميلاَ يخرج بعفويه كعفويتي ... حركاته و إيماءته كلها تفيض بالحيوية كحركاتي و إيماءتي عندما نظرت إلى عينيه وأنا أحدثه عن حالتي الصحية وما ينتابني من أعراض أجدني أقرا عينيه بسهوله وهو يحاورني ببساطه كنت من نظرت عينييه فقط
اعرف واسمع ما يقول وكان يجاوبني دونما سؤال مني لأنه كان يعرف ما أريد كانت عيناه ... تبتسم .. تضحك .. تعاتب .. تتكلم و تحنو و بمعنى آخر كانت عيناه .... واحة فياضة
كان الجميع مندهشين .. تعلوا وجوههم الغرابة .. وتكتسي ملامحهم الذهول
فانا صامته وهو مسترسل بسعادة ....كانت ملامح وجهه تقف أمامها روحي بإكبارعندما أراه اجزم إننا ولدنا معاَ.. كبرنا سوياَ .. تحدثنا عن أحلامنا .. تمازحنا تخاصمنا كثيراَ رأيت كل هذا وأنا لا أعرفه ولمفارقه المضحكة ..!!! إنني في العشرينات من العمر وهو في أعتاب الخمسين
قلبت " شذى " الصفحة بسرعة وتوقفت برهة وهي تضع يدها على فيها وتضحك
ثم تنظر مرة آخري إلى الكراسة لتبتسم وتقرأ
كان لطيفا معي يثني عليّ دائما ويصفني باني أفضل مريضاته .. كان يغمرني بفيض من
الاهتمام الرائع .. كان يهون عليّ كثيراَ .. رغم إني أظهر اللامبالاة بالمرض وعدم الخوف والقلق على صحتي .. بينما هو يهون عليّ تارة بالكلام وتارة بالمزاح كلذلك يجعلني أرتاح .. فانا بأمس الحاجة إلى مثل ذلك الكلام .. كنت أظهر التجلد أمام سيل المزاح والنكت التي كان يخترعها خصيصاَ ليّ بينما أنا لا أجاريه بأحاديث خارج المرض والعملية .. كنت أجاوب على أسئلته باختصار ... وباختصار كنت اقفل كل الأحاديث بمهارة .. لأني محافظه واعرف حدود كل شي
انتقلت " شذى " إلى الاريكه المجاورة لمكتبها وهي ترفع شعرها المنسدل بغزاره على كتفيها وبقلمها الذهبي تقلب الصفحة التالية وتقرأ كانت المجموعة التي تعمل معه دائما في أحاديث بينهم فهم يرون الدكتور " إبراهيم " سعيد في زيارته الاعتيادية حين يتحدث معيّ بعفويه لدرجة الثرثرة دون تعليق مني أو إجابة إلا بكلمتين .. لا .. نعم .. وأحيانا بكلمة يمكن .. ويرونه وهو يطيل الحديث ليتسنى له المكوث لدقائق أخرى ليظفر مني بحديث أو إيتسامه وهم يرون إهتمامه الكبير بي وعدم مبالاتي واكتراثي به بينما هم جاهلون !!! حتى الدكتور " إبراهيم " فانا أرتاح إلى أحاديثه واضحك لنكاته وأتحرى سماع خطواته وانتظر زيارته اليومية لي بفارغ الصبر ولكن من الداخل دون أن يشعر بي أحد فأحاديثه ونكاته وزيارته تخفف عني الكثير من الألم والوحدة والقلق
لذلك كنت أودأن تطول مدةمكوثه هنافهو يشعرني بالأمان والسعادة عندما يحضر
اعتدلت " شذى " في جلستها و هي تردد بصوت هامس : طالما قدّرت له ذلك .. طالما احترمته فأنا من ذلك اليوم إلى الآن أنا أقُر بمعروفه معي ليس كطبيب فقط ولكن كإنسان.
وبحسره وألم وقفت " شذى " أمام الصفحة التالية لتقرأها
في ذلك اليوم م تعكر مزاجي لموقف قد سأني وأزعجني رغم صعوبته ألا إنني تجاوزته بانتصار ..كنت بعده مضرب للاحترام ... عندما زاراني في ذلك الصباح البارد كان كعادته رائعاَ .. صافياَ .. لطيفاَ ... بينما أنا صامته كعادتي كانت عيناه رائعة كما عهدتها سخية بالحنان .. كريمة بالاهتمام .. معطاء بكل شي
عندما نظرت إليها انفجرت بالبكاء لا أعلم لماذا ! ؟
شعور غريب جديد لا أعلم !؟ إلا انه كان رغماَ عني كنت أنظر إلى عينيه وكأني أريدأن أتحدث إليه ..أكسر حاجزالصمت وعندما أنظر لعينيه ثانيه وأرى وجودي فيها أزداد رغبة في البكاء حينئذ تساءلت مع نفسي
ماذا حصل لي في هذا الصباح ؟
هل لأني كنت في موقف صعب تجاوزته ولأنه يمثل لي الأمان ؟
المهم إنني أحسست باني وحيده ضعيفة ..أحسست بغياب أسرتي .. أحسست .. بوحدتي
شعور شديد جعلني لا أتمالك نفسي
حينئذ اعتقد الجميع إن الدكتور " إبراهيم " أثقل علي المزاح فلم اعد قادرة على تحمله
فااصبح مثار للوم والغضب من الجميع
ومنذ ذلك اليوم أصبح صامتاَ لا ينطق بلسانه حتى عينيه أصبح يبعدها عن ناظري
حتى بعد انتهاء العملية بنجاح على يديه لم يسأل عني ولكنه ظل يحرص على زيارتي
والسؤال عني من بعيد لكن دون أن تنظر عيناه لي .. يتشاغل .. بالنظر ... للنافذة ... للأرض ... للأوراق ...التي بين يديه فقط كان يريد أن يبعد نظره عني وإذارفع بصره إلي
كانت عيناه تنطق بالملام والعتب .. افتقدت عينيه .. افتقدت مزاحه .. افتقدت كل شي فيه رغم إني أراه دائما ولكن سوء الفهم .. وانتقاد الآخرين جعلني أفتقده !! أنا لست مغرمه به لم انظر إليه يوماَ كما تنظرالمرأة إلى رجل بحب .. فقط كانت أرواحنا متقاربة ومتألفه
وكما التقينا غرباء ... افترقنا غرباء
وأنا مازلت إلى الآن أحترم صمته،كما احترمت كلامه،فكلامه كان نبلا، وصمته كان نبلاَ أعظم
وفي أثناء خروجه الأخير لم يعطيني فرصه لأشكره فطالما كان هناك .. شعورا بيننا
و يدور في أعيننا مازلت إلى الآن أقرأه جيداَ .. إننا لن نلتقي مرة أخرى فالوقت معنا
يتسرب دون أن نشعر
وفي الصفحه الأخيره كتبت في أول سطر
مرت الأيام والشهور وأنا أعتبره ذكرى 00فيكفيني ان أرى نجاحاته عبر الصحف والتلفاز
و رغم المسافات البعيده 00ألا انني كنت اشعر به واراه دائماَ في مناماتي مريضاَ او متالماَ
او أرى إني أدعو له بالحاح 00 كنت ارى تلك المنامات واشعر انه ليس بخير لكن هي أحلام
مناميه و انا لآبه بها
بعد مرور سنه من لقاءنا فتحت المجله الطبيه لأسعد بأحدث أبحاثه القيمه فرحت
وزادت سعادت وانا أقرأ شي من نجاحاته التي وقعت بين يدي صدفه00أكملت البحث
وانا أقرأ والسعاده تحملني كما أنا احمل المجله 00 لتسقط من بين يدي بفزع شديد00
لاني قرأت في الهامش أنه أثرى الطب في تخصصه بالأبحاث ولكن هذا البحث يعتبر الاخير
لأنه مات سريعاَ بمرض لم يمهله طويلاَ 000
وقعت الجريده مني وأنا احتضن بقاياه وانظر إلى عينيه وهي ترمقني وبين أعيننا مسافات مزدحمه بلا حروف 000
جلست شذى على المكتب من جديد وقد خيم عليها الصمت للحظات ليست بالقليله كادت تختنق خلالها وهي تصارع العبرات 000
لتفتح صفحه جديده وتترك مساحه بيضاء
وتكتب في سطورها الاخيرة وفي كراستها الخاصه مايلي
.
.
.
.
.
.
ساسجل لك أعترافاَ طالما قلته ورددته
لم أرك ذاك الرجل الوسيم ذو المكانه العاليه كما رأتك تلك النساء
بل رأيتك بعين أخرى بيضاء خالصه كبياض الماء ... الندى
وكبياض اعلى الورقه ... وكبياض أرواحنا عندما التقت معاَ
وكبياض الثلج ... وكبياض البرد ... الذي أعرفه
وأدعو الله ان يغسلك بالماء والثلج والبرد الذي اجهله
أقفلت شذى كراستها لتقف الآن أمام نافذة غرفتها لتفتحها على مصراعيها
وتتنفس الهواء باستمتاع وهي تنظر الى أعالي السماء وتحدق بصفائها ورحابتها00
لتعيش واقعها بحلاوته ومره وهي تتذكر الدكتور إبراهيم بإبتسامه وأحترام
.
.
النهاية
(رأس المشاعر هو الاحترام) والاحترام هو قمة الحب..كتبتِ فأنصفتِ المشاعر بنور إحساسكِ/ زمان
[نورس يافا] [ 26/05/2011 الساعة 8:21 مساءً]
قصة رائعة واجدها واقعية نعم التقاء الارواح حاصل بل هو الاسمى والاكثر تقارب هي مرجعها لجديث الرسول صلى الله علية وسلم الارواح جنود مجندة الى اخر الحديث من خلال هذا الحديث افهم ما كتب راقتني القصة واجدها عذرية في الحب صافية بالمعنى اختي نورة اسجل اعجابي