وقفت تستحلفه نظراتها أن يتريث قليلا ويبقى بجوارها ولسان حالها ينطق : هل أسكب العطر في راحتيك ؟ دعني ألملم شتات نفسك الراغبة في الرحيل حتى تسكن لدي . اعطني فرصة واحدة .
إلا أنه رمقها بنظرة أماتت داخلها كل رغبة في بقائه ، فصمتت .
خرج وقد لملم كل حاجياته وما يخصه ومضى .
سمعت صوت انغلاق الباب خلفه فتذكرت أنه نسى شيئا هاما ؛ لقد نسيها خلفه !!
وقفت شاردة تبحث عنه وعنها ، إن هذا مكانه ، بيته ، سريره ، كل شيء هنا له وقدا اختاراه سويا .
صرخت بقوة تناديه ، صدمها صدى ضحكاتهما فقالت : اصمتي أيتها الضحكات ، اصمتي ؛ لم يعد هناك غير الدموع ، لقد مضى صاحبك رفيق الدرب .
تملكتها الحسرة وهي تتذكر أيامهما ، وذلك المكان الذي ضمهما عروسين وقد تناثر الحب فيه ، ورفرف العشق به ، وتجلت السعادة ، تعانقت البسمات ، تضافرت الأمنيات ، ورُسمت خطط مستقبلهما .
مسحت تلك العبرات التي وجدت بسهولة سبيلا لوجنتيها ، وهي تتوجه للشرفة تشاهده وهو يبتعد ، سالكا طريقا ليست فيه ، تلك الشرفة التي شهدت صباحات عديدة لهما سويا ، جلست على مقعدها المفضل ، ترمق الأخر الذي خلا من صاحبه . كم جلسا هنا يتناولان إفطارهما ويتطلعا للشارع الفسيح ، الرحيب رحابة قلبيهما ، وحين ترشف أولى رشفاتها من فنجان قهوتها يسارع بخطفه من يدها ليتناوله عن آخره وهو يعطيها فنجانه ويقول : عايز دايما أجري وراكي .
قالت والحزن يلفها : لم تجر ورائي يوما ، بل أنا التي أرهقني العدو خلفك .
لماذا تهرب يا حبيبي ؟!!!!
تدافعت الذكريات التي كانت تجترها في ألم وحسرة ، كل ركن من أركان البيت تجلت فيه ذكرى ، وأحست رائحته تحيط بها وكأنه كان في حضنها لتوه .
كم سكبت في تلك الليلة من كؤوس الدمع وتجرعت مثلها من الندم .
إنها من أضاعه ، من خنقه ، طوقته بطوق من حديد وأحكمت الغلق ، وما إن وجد الفرصة ليحطمه ويهرب لم يفكر سارع بالفكاك منها .
ذات يوم قال لها في غمرة انفعال : عايز أحس إني نفسي ، عايز أشوف الدنيا بعيد عنك ، اتخنقت ، معرفتش أجري وراكي لأنك دايما حواليا .
كانت تقابل ثوراته بصمت يُميته ، قادرة هي على استفزازه وإثارته صمتت أو تكلمت ؛ وتجلس ببرود لتشاهده وقد اشتد به الغضب بفرحة تطل من عينيها لتؤكد لديها صدق حدسها وأن ثورته دليل على أنه يداري أفعاله .
أين كان الماضي من الآن وهي تطلع إليهما في صورة زفافهما وجهين مرحين مليئين بالفرحة والأمل والاطمئنان ، شتان الفرق بين ما كانا عليه وما آل إليه الحال ووجهان يحملان حسرة وبؤسا وانعدام أمان .
أكان مخطئا بإتمام زواجه منها ؟ لقد اعتقد أنه بامتلاكها له وامتلاكه لها ستكف عن تلك المشاعر الحمقاء التي تصيبها بين حين وآخر وشكوك غيرتها التي كان يتجاهلها كثيرا لحبه وعشقه الكبير لها .
لكنها زادت من غيرتها ، من شكها ، صارت تلاحقه في كل مكان وفي كل وقت ، شعر بها في الماء الذي يشربه ، في دخان سجائره الذي ينفثه.
باتت كالسيل حين ينهمر ولا يتوقف ، حاول كثيرا أن يثبت لها حبه ولا فائدة ، دائمة الشك ، شديدة الغيرة .
صار قلبه العاشق سجينا حبيسا في داخله يبحث عن الحرية ، يريد أن يتنفس دون أن يجدها خارجة مع زفيره ، لذا كان عليه السير دونها ، المضي في طريقه بلا عودة للوراء .
لابد وان ينجو بما بقى من نفسه .
في حين جلست هي تبكيه وتتدثر بفراشه ، تتنسم عبيره ووجوده وتبكي ..... وتبكي ، لكن أيفيد البكاء على اللبن المسكوب ؟