رباب
رحلت رباب في ليلة ميلاد القمر
عندما بزغ الفجر والليل قد خلع إزاره الأسود واندثر
و أردان لثام العتمة المدلهمة جنحت بذيولها وأدبرت
و ضياء النهار التف حول تمرد حلكة الظلام
وشقشقت العصافير فوق الغصون
وفاحت رائحة قبعة الطيور من أعشاشها
عندها اتكأت على كتف الصباح الحزين وأنا أنظر إلى السماء
متأملا عظمة الخالق في خلقه وحكمته في تدبيره
رافعاً الكفوف إلي رب العزة أدعوه بأن يشفي مهجة قلبي وتوأم روحي رباب
وفي لحظة سكون وصمت مجروح اللسان
سمعت كلمات مترنحة تخرج من عناب ثغرها
تارة تحبو جاثمة على شفاه الصمت وتارة تتوكأ على حروف غافيات
كانت تنساب من بين شفتيها كما الشهد
فتداعب جدار قلبي الذي نكأه الحزن ومزقه الشجن
وصدعته اللوعة و وأضناه الحرمان
وكان نبضها يغفو ويصحو ثم يصحو ويغفو ثم يغفو حتى يصحو متأرجحا بين سكون وثورة
وصمت ونهضة من شدة الألم
ورأيتها وهي تتملص من قبضة خيوط الكفن الذي كان ينتظرها
كانت رباب تتمتم في وجه اللقاء المنظور وكأنها تخاطب الفراق وتعاتب الموت الذي كان
يرقبها على مربأ الرحيل
وتنظر إلى السماء حيث ألون الطيف تقهقرت وبهت لونها
كلمات هامسة تخرج من بين لؤلؤة ثناياها ولكنها مريرة كالحنظل
كلمات تصعد مع الشهيق وترفض إلا أن تذوب في شفاه الشرايين
نعم أحببتها ألف ألف مرة
عشقتها ألف ألف مرة
هي رباب
التي غربت شمسها في مشارف ذاتي
وأنا أستقطر من ثغرها الهمس ببوح كلماتي
هي رباب
التي دخلت من ثقب عمري وأغلقت كل الأبواب
و اخترقت حصوني وسبت روحي ثم اعتلت عرش قلبي
لتحاصر ذلك الصمت العارم في أعماق وجداني
وطوقت عنق ذاتي بمغلاق الحب والحنين
تملكت تاج روحي ورسمتني في وجدانها نجم لا يغيب
حتى أصبحت رعشة دافئة في جسدها المسجى
وتوشمت على وجنتيها من مخ عظمي
حتى جعلتني أنظم من الجمان عقد بأحرف اسمها
وأرسم بسيفي كحل عينيها الذابحة
هي رباب
مطلخمة الذرى هلالية الوجه
مفلجة الأسنان مسقولة الخمر
ممشوقة القامة مفهفهة الخصر
كانت تتوسد صدري وتنشر جدائلها على ساعدي
حين تغني قصائدها لتطرب مسمع مهجتي
وأنا أعزِف لها على الربابة من قصائدها
وأنظر إلى عيِنيِها المبرقعةَ بالأنوثة والجمال
وأقتحم خيمة محيِاها
وأضرِب كل قوانينِ الأرض من أجلها
وأنسج من نثرِها موج الليل
وأضيع في ثَنايِا خصلاتِ ضفائرها
حتى يتوق أنفى من وهج عطرِها الثرثار0
كنت أشهِر سيفي في وجه من يعاديها وذلك من أجلِ نصرتها
كي أحمى تراب قد وطئتها بكعبيها أو أى مكان داستها أقدامها
وأشعل النار من تحت بطحاء أقدام أعداءها
وأطفئ نار الظلمِ في أبيات قد نظمتها
وحين تصحو من هذيانها تلبسني قبعة فارس القبيلة
وتأسرني في تيهها وتقيّد معصمي براحتيها وذلك
بتهمة التسكع في حنايا فكرها ومراوغة قلبها
والتنقل فوق أغصان شغفها المرهف بالإحساس
فكنت أقول لها
دعيني رباب أتنفس عبير أنوثتك الجامحة
واشتم رائحة القهوة العربية في كفيك
هي رباب
لقد اختصرت الياء والتاء من فريستي ولبست جلد فرسي
وحاولت إنقاذها من كل هول أو فزع تلاقيه
وكنت أهديها نبضات قلبي في كل عام من موعد ميلادها وهي تعزف آلحان شدوها
وألبسها برقعا مرصع بالمرمر من نور الشمس وقلائد القمر0
عندما يأتي فصل الربيع كنت أنسج لها من الزنبق رداءً مخضبا بعبير الأشواق وشالاً مقصباً
بألوان الهوى
وأسقيها كاسات من أنهار عواطفي حتى تثمل وترتمي على ضفافي
وكانت تغفو في ظل أهدابي وقلبي يضج لها بالخفقات
هي رباب
كانت عندما يأتي المساء ويحتضن الليل الغروب وتنثني خطاه
البطيئة ويسدل رداءه الأسود تكشف رباب عن وجهها الوضاء
وكأنه نجمة فيها قنديل مبتسم
وفي عينيها ضحكات طفلة بريئة
رباب
التي كلما اشتد دجى الليل وزاد سواد العتمة
كانت كالشمس البارقة في خاطري تضيء حياتي ووجداني ولا يخفت نورها مهما طال
الزمان أو قصر
هي رباب
التي نحرت الآهات الحزينة في مذابحها شوقاً لرنين وجدانها
وعزفت أنغاما على أوتار الشوق تطرب الحجر والشجر
وكنت أنعتها بأسماء كثير تارة أناديها رباب
وتارة فتاة البادية وتارة ملكة بلاد الشام
وتارة أميرة النساء0
عندما قرب الفجر أن يطلع وليل القوافل أصبح يفك إزاره الأسود
ويلقي به على ضفاف السماء
والصمت الحزين يلف جدران المكان وبرعم الصباح يتثاءب في الأفق
عانقت شغاف قلبي المعنى بشدوها وكأنه صوت ناي يلد النغم
وكلماتها التي كانت كأنها عقد مرمر تناثر فوق وجهي ثم انتظم
حينها
نظرت إليها وهي تعاني امتصاص الهواء وتئن من أعماقها
وهي في حضن الموت تغلفها رائحة زكية
وما زال برعم الأمل ينمو فوق غصن الرحيل متشحا بضياء التمني
فشاحت ونظرت بعينيها الكحيلة نحوي ثم نظرت نحو مهرتها التي كانت تمتطيها في تجوالها
ترحالها وأيضا كانت تركبها
عندما كنا نتسابق في ميدان الفروسية والسباق0
وفي تلك اللحظة العصيبة والمريرة
ومن هولات الأنين والجرح النازف في قلبي
دونت تراتيل اشتياقي وحنيني
وواريت ما تجمد بين أجفاني
وطليت آهاتي المذبوحة بألوان نزف شرياني وإدماء قلبي
عند ذلك ثارت عيناي من ظمأ حزني وأنيني
حتى تفجرت ينابيع دموعي واقتحم الحرمان والفراق حصون جسدي المرتعش برداً في
ليلية صيف ساخنة0
مخالب الفقد والبعد مزقت أحشاء روحي
وتركني أغرق في نزف قلبي المعنى غريقا
حتى تلمست فراق رباب في أعماق جسدي0
كان الصمت يطرق أبواب خيالاتي القريبة والبعيدة
وعواصف الخوف تهب وتعارك أوراق عمري
وتفرش الأرض ببروق الحزن وتجرد المفردات من معانيها
وتمحو الآثار وتجعل الليل ضرير
فجأة
رفعت رباب رأسها تنظر إلي الأفق حيث إشراقة وجهها الهلالي
كأنها نخلة تمازح السماء وتغازل القمر بحسنها0
اقتربت منها أكثر حتى أسمع همساتها الناعمة وأتلمس تراقص شفتيها
فسمعت منها همس ناعم كغنج زُعر العصافير
ينساب على صفحات وجهي وكأنه شال من حرير
أسدل أطرافه على وجنتاي
رفعت رباب ذراعيها تريد أن تعانقني
ومقلتيها تذرف بالبكا حزناً كبيراً وتسكبه
في ألم الفراق المرتقب بعد حين
وفي لحظة صمت عمت المكان سمعت منها كلمات وكانت الأخيرة لها
وهي تقول
من هنا مرت قوافلي
وهنا قطفت ثمرة حبي و حنيني
فحضنتها كي تلج إلى سِويداء قلبي
وتتوغل بين جوانحي
وتتوسد أضلعي
عندها رمقتني بطرف عينيها وقالت
لا تحزن يا حبيب العمر ويا مهجة فؤادي
فلا تبكي على فراقي
يا رفيق العمر ونبراس ذاتي
وكانت قَطرات عرقٍٍ على جبينها تقاطرت
حتى أذابت شدو العصافير علي وجنتيها
ثم ارتعشت
ودموعها على صدري رشفت
وعلى جدرانِِ الزمانِ حبها نقشت
حتى غفت بمحراب السنا لهفاتي
وروحها الطَاهِرة في صمت أبلغ من الكلام
إلى بارِئها صعدت
هي رباب